الإعلامي/ عبدالله عبدالهادي بخاري
السبت 26 محرم 1448هـ الموافق 11 يوليو 2026م
يمضي الإنسان في حياته عبر محطات متتابعة، تبدأ بالميلاد، ثم الطفولة، فالتعليم، فالبلوغ، فالرشد، ثم محطة الأربعين التي تمثل اكتمال النضج، حتى يصل إلى محطة الستين، وهي من أعظم محطات العمر؛ لأنها ليست رقمًا في سجل الحياة، بل مرحلة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، ويقف الإنسان مع نفسه وقفة صدق ومراجعة وتأمل.
ولم يكن اهتمام الإسلام بهذه المرحلة من فراغ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَعْذَرَ اللَّهُ إلى امرئٍ أخَّر أجله حتى بلغ ستين سنة» رواه الإمام البخاري، أي أن الله تعالى قد أمهل الإنسان عمرًا كافيًا للتوبة والعمل الصالح، فلم يبق له عذر في التسويف والغفلة. كما قال صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك»، وهو حديث حسن، يذكر المسلم بأن هذه المرحلة هي الغالب في أعمار هذه الأمة.
أما القرآن الكريم فلم يذكر سن الستين صراحة، لكنه دعا إلى اغتنام العمر، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: 37]، كما ذكر مرحلة الأربعين بقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: 15]. فإذا كانت الأربعون مرحلة اكتمال النضج، فإن الستين مرحلة اكتمال الخبرة والحكمة.
ومن الخطأ أن يظن الناس أن بلوغ الستين يعني نهاية العطاء أو بداية العجز، فالمرض قد يصيب الصغير والكبير، كما أن كثيرًا من العلماء والمفكرين والمصلحين قدموا أعظم أعمالهم بعد الستين، لأن الخبرة والعقل يزدادان نضجًا مع مرور الزمن. فالتقاعد قد ينهي وظيفة، لكنه لا ينهي رسالة الإنسان.
وقد كرم الإسلام كبير السن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»، ولذلك كان كبير السن في المجتمع المسلم موضع احترام، ومرجعًا في الرأي، وصاحب تجربة تستفيد منها الأسرة والمجتمع. وكان الجد والجدة في الماضي يمثلان ذاكرة الأسرة وحكمتها، يجتمع حولهما الأبناء والأحفاد، ويتعلمون منهما قيم الحياة.
أما اليوم فقد تغيرت أنماط الحياة، واتسعت المدن، وانشغل الناس بأعمالهم ووسائل التقنية، فأصبح التواصل الأسري أقل في بعض البيئات. لكن من الإنصاف أن نقول إن الذي تغير في كثير من الأحيان هو أسلوب الحياة، لا قيمة احترام الكبير. وما زالت المجتمعات التي تحافظ على صلة الأرحام وتوقير كبار السن أكثر تماسكًا واستقرارًا.
وفي المملكة العربية السعودية يتجسد هذا الاهتمام من خلال نظام حقوق كبير السن ورعايته، وما وفره من حماية لحقوق كبار السن، إضافة إلى بطاقة امتياز لكبار السن للمستحقين وفق الأنظمة المعتمدة، بما يعكس عناية الدولة بهذه الفئة، ويترجم تعاليم الإسلام إلى واقع عملي يحفظ الكرامة ويعزز جودة الحياة.
إن محطة الستين ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة ينتقل فيها الإنسان من جمع الخبرة إلى نشرها، ومن بناء ذاته إلى بناء غيره، ومن قوة الجسد إلى قوة الحكمة. فمن أحسن استثمار هذه المرحلة، وأكثر من العمل الصالح، ونقل علمه وخبرته إلى من بعده، جعل آخر عمره خيرًا من أوله، وترك اثرا طيبًا يبقى بعد رحيله.







.jpg)







.jpg)
.jpg)
.jpg)



























